سيد قطب

2762

في ظلال القرآن

لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ . وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ، ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ . وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ . وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ - وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ - وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . . إنها جولة ضخمة هائلة ، لطيفة عميقة ، بعيدة الآماد والأغوار . جولة تطوّف بالقلب البشري في الأمسيات والأصباح ، والسماوات والأرض ، والعشي والأظهار ، وتفتح هذا القلب لتدبر الحياة والموت والعمليات الدائبة في النشوء والدثور . وترتد به إلى نشأة الإنسان الأولى ، وإلى ما ركب في فطرته من ميول ونوازع ، وقوى وطاقات ، وما يقوم بين زوجيه من علائق وروابط ، وفق تلك الميول والنوازع وهذه القوى والطاقات . وتوجهه إلى آيات اللّه في خلق السماوات والأرض واختلاف الألسنة والألوان وفقا لاختلاف البيئة والمكان . وإلى تدبر ما يعتري الكائن البشري من نوم ويقظة وراحة وكد . وإلى ما يعتري الكون من ظواهر البرق والمطر ، وما تثيره في نفوس البشر من خوف وطمع ، وفي بنية الأرض من حياة وازدهار . وتمضي هذه الجولة العجيبة في النهاية بالقلب البشري إلى قيام السماوات والأرض في هذا كله بأمر اللّه ؛ وإلى توجه من في السماوات والأرض كلهم للّه . وتنتهي بالحقيقة التي تنجلى حينئذ واضحة هينة يسيرة : إن اللّه هو يبدئ ويعيد . والإعادة أهون عليه . وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم : « فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ » . . إن ذلك التسبيح وهذا الحمد يجيئان تعقيبا على مشهد القيامة في الفقرة السابقة ، وفوز المؤمنين بروضة فيها يحبرون ، وانتهاء الكافرين المكذبين إلى شهود العذاب . ومقدمة لهذه الجولة في ملكوت السماوات والأرض ، وأغوار النفس وعجائب الخلق . فيتسقان مع التعقيب على المشهد وعلى التقديم للجولة كل الاتساق . والنص يربط التسبيح والحمد بالأوقات : الإمساء والإصباح والعشي والأظهار ؛ كما يربطهما بآفاق السماوات والأرض . فيتقصى بهما الزمان والمكان ؛ ويربط القلب البشري باللّه في كل بقعة وفي كل أوان ؛ ويشعر بتلك الرابطة في الخالق مع هيكل الكون ودورة الأفلاك وظواهر الليل والنهار والعشي والأظهار . . ومن ثم يظل هذا القلب مفتوحا يقظا حساسا ، وكل ما حوله من مشاهد وظواهر ، وكل ما يختلف عليه من آونة وأحوال ، يذكره بتسبيح اللّه وحمده ؛ ويصله بخالقه وخالق المشاهد والظواهر والآونة والأحوال . « يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ، وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها . . وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ » . . « يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها » . . تلك العملية الدائبة التي لا تكف ولا تني لحظة واحدة من لحظات الليل والنهار في كل مكان ، على سطح الأرض ، وفي أجواز الفضاء ، وفي أعماق البحار . . ففي كل لحظة يتم هذا التحول . بل هذه المعجزة الخارقة التي لانتبه إليها لطول الألفة والتكرار . في كل لحظة يخرج حي من ميت ويخرج ميت من حي . وفي كل لحظة يتحرك برعم ساكن من جوف حبة أو نواة فيفلقها ويخرج إلى وجه الحياة ؛ وفي كل لحظة يجف عود أو شجرة تستوفي أجلها فتتحول إلى هشيم أو حطام . ومن خلال الهشيم والحطام توجد الحبة الجديدة الساكنة المتهيئة للحياة والإنبات ؛ ويوجد الغاز الذي ينطلق في الجو أو تتغذى به التربة ، وتستعد للإخصاب . وفي كل لحظة تدب الحياة في جنين . إنسان أو حيوان أو طائر . والجثة التي ترمى في الأرض وتختلط بالتربة وتشحنها بالغازات